إخوان الصفاء

260

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل في سياسة الأصحاب اعلم أيها الأخ أن سياسة الأصحاب لا تكون إلّا بعد المعرفة بهم والاطلاع عليهم ومعرفة أحوالهم ، أن لا يخفى عليك من أمرهم صغيرة ولا كبيرة ، لتسوس كل واحد منهم السياسة التي تليق به دنيا ودينا . واعلم أنك متى كنت جاهلا بمعرفتهم لم تتمّ لك سياستهم ولم تبلغ رضاءهم ، ولا يكونوا لك أصحابا ، أو ما علمت أن صاحب الناموس لا يصاحب إلّا من عرفهم وخبرهم فاطّلع عليهم اطلاع الإحاطة بهم ؟ واحرص أن تباعد بين معرفتهم بك وبينهم لئلا يطّلعوا عليك كما اطلعت عليهم ، فيأتوك من حيث أمنت ، لأنه ليس كل من يصاحبك يحقّ لك أن تثق به ، ولا تطمئن إليه لأن كثيرا ممن يصحب الأنبياء إنما تكون صحبتهم لهم لوقوع الحيلة بهم ، ومرادهم منهم الاطلاع على أسرارهم ليكشفوها ويظهروها لمن لا يعرفها وهم المنافقون . فيجب أن تظهر لهم القرب بالبعد ، واللين بالغلظة ، والأنس بالوحشة ، والكرم بالشحّ ، والانبساط بالانقباض ، والرحمة بالسّخط ، والوعد على الجميل ، والوعيد على الذنب ، وقبول التوبة باللين ، والموعظة بإلقاء العلم إليهم بمقدار ما يحتملونه وبحسب ما يستوجبونه . ولا يكن اعتقاد أهلك وذرّيتك وأزواجك وبنيك مخالفا لما يظهر من اعتقادك لأصحابك وإخوانك . فمتى لم يكن كذلك فلا أهل لك ولا أصحاب ولا دين ولا دنيا ولا علم ولا عمل ! وكيف يجوز للعاقل العالم أن يكون له أهل يتدينون بدين ويذهبون إلى مذهب هو يأمر أصحابه بخلافه ؟ بل الواجب عليه أن يكون أهله وأصحابه بمنزلة واحدة عنده في التعليم ، ولا يخص أصحاب النّسب الجسداني بما لا يبديه لأهل النسب الروحاني ، بل يجمعهم معا في طريق واحد ويلقنهم التعاليم والمعارف والعبادات والفرائض ، فيأخذ كلّ واحد منهم بحسب قوته